• قد لا نعثر في المدوّنة التربوية على لفظ أو مصطلح أو مفهوم أكثر تناسلا و تكاثرا من البيداغوجيا الذي تجزّأ و تولّدت عنه بيداغوجيات متعددة تبدو، في الظاهر، مختلفة من حيث المبنى و المعنى و ما تحمله من مضامين و ما تبشّر به من خطاب بيداغوجي جديد، و من أهم هذه البيداغوجيات : بيداغوجيا الأهداف، بيداغوجيا الإدماج، البيداغوجيا الفارقيّة، بيداغوجيا المشروع، بيداغوجيا التملّك، بيداغوجيا النجاح،...و القائمة طويلة . فهل هذا التفتّت أو التفكّك للبيداغوجيا، كمفهوم عام، يعلن عن نهاية البيداغوجيا أو على الأقلّ انفراط عقدها ؟ أم أنه دليل على ثراء هذا المفهوم باعتباره من جملة المفاهيم المتجددة أو الخصبة و الولاّدة ؟ بمعنى آخر هل أن البيداغوجيا كمفهوم عام أصبح ضيّقا لا يتسع لمختلف التطورات التي تعرفها التربية المعاصرة اليوم ؟أم إن التطورات الاجتماعية و التربوية التي تعرفها مختلف بلدان العالم و خاصة البلاد النامية ( انفجار في عددالتلاميذ بكل المراحل التعليمية مقابل تدني النتائج و تزايد عدد المتعلمين الذين يواجهون صعوبات في التعلم، وانحدار التلاميذ من أصول و أوساط اجتماعية و ثقافية مختلفة، و تــزايد الفـوارق و تعمقها في ما بينهم ....... ) أدت الى إفلاس البيداغوجيا و عجزها عن استيعاب كل هذه المستجدات و بالتالي تأزمها كمجال بحث له حدوده و موضوعه وانقسامها إلى بيداغوجيات تطمح الى بناء أدوات و مباحث خاصة بها و وضع استراتيجيات لتحقيقها ؟ باختزال شديد هل أن عهد البيداغوجيا و كفى قد ولى وانقضى ؟ أم هل أن هذا السيل العارم من البيداغوجيات له ما يبرّره ؟ إن مفهوم البيداغوجيا مفهوم قديم قدم التربية و قدم المجتمعات البشرية باعتبار التربية على حد تعبير دوركيم ( 1858-1917 ) نقل و تمرير للارث الاجتماعي من جيل إلى جيل ...وقد رافق تطور مفهوم البيداغوجيا التربية عبر العصور والحقب التاريخية لكن دون ان يبلغ ما عرفه من منعطف حاسم خاصة منذ سبعينات القرن الماضي ( 1970 ). ففي المدينة اليونانية القديمةla cité grecque ، مهد مختلف العلوم، كان مفهوم البيداغوجيا ينحصر في مرافقة العبد الكهل للطفل من البيت إلى المدرسة أي اعداد الطفل للذهاب الى المدرسة. بيداغوجيا. البيداغوجيا بين وحدة الموضوع وتباين المقاربات قبل التقدم العلمي و التقني و الثورة الصناعية و ما عقبها من تحولات عميقة شملت شتّى مظاهر الحياة أصبح مفهوم البيداغوجيا يفيد ما معناه فنّ تربية الاطفال و بالتالي أضحى المؤدبون و المعلمون يفتخرون بكونهم أساسا " بيداغوجيين " Pedagogues يسمعون من به صمم و ينطقون من به خرس ! في القرن التاسع عشر و مع ازدهار مختلف العلوم و من ضمنها العلوم الانسانية، توسّع مفهوم البيداغوجيا و أصبح يشتمل على جانب نظري و آخر تطبيقي Une théorie pratique - الجانب النظري من البيداغوجيا يعني أساسا " منهجية أو فلسفة التربية " و بالتالي أصبحت البيداغوجيا مادة مستقلة بذاتها معتمدة في مدارس ترشيح المعلمين باعتبارها مادة دراسية discipline Une - أما الجانب التطبيقي للبيداغوجيا فيعني الممارسة التربوية بشكل عام مع التركيز على دراسة العلاقة التي تربط المعلم بالمتعلّم. لكن رغم هذا المنحى العلمي لتطور مفهوم البيداغوجيا خاصة على المستوى النظري فقد حافظت الممارسة البيداغوجية اليومية في الاقسام خاصة من حيث التمشيات و الطرائق و الوسائل المتوخاة على طابعها التقليدي، و كانت البيداغوجيا السائدة هي البيداغوجيا التي تتمظهر في الشخصية المتعالية للمعلم وقداسة المعرفة الأنسيكلوبدية على حساب المتعلم الذي يكتفي عادة بما يقدم إليه من معارف جاهزة و مهيكلة وفق تمش و نسق غريب عنه يتولى حفظهاعلى ظهر قلب – ان استطاع – ليستحضرها يوم الامتحان ... يوم يسأل عنها فيعيدها كما هي « une restitution »عملا بمقولة "هذه بضاعتكم ردت إليكم " دون زيادة أو نقصان مما يضمن له النجاح، ثم ينساها و يعود في غالب الأحيان و بتقادم العهد إلى ما كان عليه قبل تلقيها و حفظها. و قد افرزت هذه الممارسات البيداغوجية أوضاعا تربوية غير مرضية على كل المستويات : - على مستوى النتائج و مردودية المدرسة حيث برزت أقلّية نالت الشهائد العليا وتكونت تكوينا متينا خاصة على مستوى تملك اللغة واحترام قواعدها و على مستوى المعارف النظرية، بينما الأغلبية لفظتها المدرسة وانقطعت عن الدراسة دون حصولها على تكوين يضمن لها اندماجا بشكل أو بآخر في سوق الشغل والمجتمع . 1 – على مستوى البرامج التي تميزت بطولها وتعدد المسائل المقررة بالنسبة لكل المستويات التعليمية و في كل المواد مقابل ضيق الوقت لانجازها مما أدى إلى تذمر المدرسين . 2 – على مستوى تأليف الكتب المدرسية حيث تعاقبت أجيال من الكتب همّها الوحيد استعراض المعارف و تكريس الحفظ الآلي . 3 – على مستوى تقييم عمل التلميذ حيث ساد التقييم الجزائي الذي لا يستند أحيانا إلى مقياس أعداد واضح – تقييم انطباعي – خاصة في المواد الادبية و الاجتماعية. و قد تفاقم هذا الوضع منذ أواخر السبعينات و بدأ مشكل مردودية المؤسسة التربوية يفرض نفسه على الجميع خاصة أمام تزايد النفقات المخصصة للتربية و التعليم و بدأ يتضح للجميع شيئا فشيئا أن ديمقراطية التعليم ومجانيّته التي ضمنها الإصلاح التربوي الأوّل في تونس المستقلة ( اصلاح 1958) ستفرض تحديا ورهانات جديدة تستوجب الاستعداد لها بسرعة ..... كل هذه الاوضاع المتفاقمة تعكس في الحقيقة البيداغوجيا المتوخاة حينئذ في التدريس و التي تكرس أولوية المعرفة النظرية و المعلم ذا التكوين الأنكلوسيبيدي في العملية التربوية وتغيّب أو تهمّش الطرف الاساسي في العملية و هو المتعلّم .... على أنّ هذه العلاقة التي كانت تحكم المتعلم و المعرفة بدأت تتغير بفضل الثورة الإعلامية و الاتصالية و ظهور الطرقات السيّارة للاتصال و الاعلام ..... كما أن دور الوساطة الذي كان يقوم به المدرس بين المعرفة و المتعلم بدأ يتضاءل بحكم هذه التطورات .... و لعل هذه التحولات التقنية و الاقتصادية و الاجتماعية التي يعرفها العالم اليوم و التي ألقت بظلالها على المدرسة جعلت البيداغوجيا الكلاسكية العامة تفقد مكانتها و بالتالي تسعى إلى تعديل خطابها و تجديد رسالتها للخروج من أزمتها وفي هذا الاطار ظهرت بيداغوجيات جديدة تقارب المتعلمين مقاربات متعددة ومختلفة لكنها متكاملة باعتبار تعدد أبعاد شخصياتهم و خاصة النفسية، المعرفية، الاجتماعية .... و أهم هذه المقاربات : - بيداغوجيا الأهداف التي استعارت جهازها المفاهيمي من السّجلّ العسكري : أهداف عامة ، أهداف وسيطة ، أهداف مميزة ، استراتجية .... تقارب المتعلّم على أنه آلة تشتغل وفق مبدإ الشحن إذ أنه مطالب بتكرار واجترار جملة من العمليات البسيطة و المجزّأة و بتطبيق قواعد جاهزة لاكتساب سلوك ظرفي قد لا يرتقي دائما إلى مرتبة العادة أو الملكة .... لكن مهما يعاب على هذه المقاربة فهي تبقى نقلة نوعية رائدة خاصة في مجال الاعداد المسبق للأهداف بالنسبة لأي نشاط تربوي وتراكم هذه الأهداف من الغايات العامة إلى الأهداف الاجرائية. - أما بيداغوجيا الادماج التي صاحبتها ضجّة لا مبرّر لها فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك فقد وظفت الاهداف التربوية بأنواعها المعرفي - الحسي - الحركي والسلوكي الوجداني باعتبارها قدرات تمارس على محتويات في وضعيات وسياقات لها معنى بالنسبة للتلميذ لحلّ مسائل معقدة، و بالتالي فهي تعمل على تكوين تلميذ ليس باعتباره وعاء تسكب فيه معلومات جاهزة أو مجرّد منفذ ومحقق لاهداف غيره بل باعتباره تلميذا مهندسا و باحثا عن حلول لمشاكل واقعية وليست وهمية مستعملا مكتسباته السابقة في شتى المجالات و بذلك تتطور بنيته الذهنية. ولكن ذلك قد لا يتيسر إلا بشروط أساسية وفّرتها مقاربة أخرى وهي: البيداغوجيا الفارقية، جوهر هذه المقاربة يكمن في الأخذ بعين الاعتبار أثناء عملية التعلّم , الفروقات الفردية بين المتعلّمين من حيث علاقاتهم بالمعرفة، نسق وأسلوب تعلّمهم ( سمعي، بصري، حسي، حركي ) استراتيجية تعلّمهم و صورتهم لذواتهم، حاجاتهم إلى المساعدة، استقلاليتهم ....والمعلّم الخبير و المحترف مطالب بالتّعرّف أوّلا إلى مختلف هذه الانماط من المتعلّمين عن طريق التشخيص ثم ثانيا الاستجابة والتعامل معهم وفق خطة بيداغوجية تقوم أساسا على تنويع وضعيات التّعلّم والوسائل التّعلّمية و الطرائق والتمشّيات البيداغوجية مع المحافظة على نفس أهداف التّعلّم التي يجب تحقيقها لكن بسبل مختلفة ... كما أن هذه المقاربة تسمح للمتعلّمين بتقييم أنفسهم ( التقييم الذاتي ) للتعرّف على مدى تقلّص الفارق بين تطوّر آدائهم واكتساب السلوكات المنشودة. إنّ فضائل هذه المقاربة عديدة و أهمّها التمييز الإيجابي بين المتعلّمين و تجنّب التعليم الجمعي و تجسيم مبدإ تكافؤ فرص النّجاح بينهم و تكريس مبدإ الاختلاف في التّعلّم و يبقى تحقيق الأهداف من طرف المتعلّمين هو الغاية و لو تمّ الوصول إليها باتّباع استراتيجيّات مختلفة . أمّا بيداغوجيا المشروع فهي تقوم أساسا على التّعلّم عن طريق البحث لانجاز مشروع بصفة جماعيّة لاشباع حاجة حقيقية وهو ما يتطلّب من المتعلّمين استنفار جملة من الكفايات المعرفية، المهارية والوجدانية السلوكية لا تتعلّق بالضرورة بمجال معرفي واحد لذلك فإنّ هذه المقاربة تركّز على البعد الاجتماعي العلائقي وتمكّن من تحقيق التّواصل بين المتعلّمين و التّكامل بين المواد و تمعّن التعليم وتمكّن المتعلّم من البحث عن المعلومة وامتلاكها ثمّ توظيفها وفق سياق ومنهجيّة المشروع تحت إشراف المدرّس الذي يصبح دوره يتمثل أساسا في المرافقة والتوجيه . إنّ تعدّد و تباين المقاربات البيداغوجيّة يحرّر ولا يقيّد، يثري ولا يفقّر والمدرّس مدعوّ إلى حسن تخيّر المقاربة المناسبة أو المزج بين مختلف المقاربات حسب مستوى تلاميذه و طبيعة كلّ درس إذ لا جدوى من ممارسة لا تستند إلى مرجعية فكريّة تنهل منها و تدعمها عملا بمقولة : « Rien n’est plus pratique qu’une bonne théorie » " لاشيء أفضل من ممارسة كنظرية جيّدة "

    aucun commentaire
  • Ceci est le premier article de ce blog !
    Utilisez la barre d'outils située en haut de la page pour gérer vos rubriques, menus, configuration...etc.
    Cliquez sur "Ecrire un article" dans le menu "Actions" pour écrire un nouvel article.

    Lancer la visite guidée




    aucun commentaire



    Suivre le flux RSS des articles
    Suivre le flux RSS des commentaires